. قال المدعو محمود أبو رية في كتابه شيخ المضيرة أبو هريرة ما نصه: " كان أبو هريرة يلقب بشيخ المضيرة وهو صنف من الطعام كان مشهورا بين أطعمة معاوية الفاخرة وقد نالت هذه المضيرة من عناية الكتاب والشعراء ما لم ينله صنف آخر من الطعام، وظلوا يتندرون بها، ويغمزونه قرونا طويلة من أجلها". انتهى
وهذا اللقب لم يعرف به أبو هريرة و لم يشتهر به، بل نقله عنه بعض الأدباء في كتبهم بلا سند معتبر كالزمخشري فى "ربيع الأبرار" وابن أبي الحديد فى "شرح نهج البلاغة" وهما ينقلان من الروايات ما يوافق مذهبيهما ولو بلا إسناد، كما أنه لم يشتهر بهذا اللقب إلا عند أصحاب الأهواء.
- قال المدعو محمود أبو رية بعد كلامه الآنف نقلا عن عبد الملك الثعالبي في كتابه ثمار القلوب في المضاف والمنسوب أنه قال: "وكان يعجبه المضيرة جدا، فكان يأكل مع معاوية فإذا حضرت الصلاة صلى خلف على رضي الله عنه، فإذا قيل له في ذلك قال: مضيرة معاوية أدسم، والصلاة خلف على أفضل، وكان يقال له شيخ المضيرة وفيه يقول الشاعر.
وتولى أبو هريرة عن نصر علي ليستفيد الثريدا
ولعمري إن الثريد كثير للذي ليس يستخف الهبيدا
وعبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي توفي سنة 429 هجري، وقد ذكر القصة بلا سند، فلا يبعد أن تكون القصة مجرد أكذوبة يتناقلها الطاعنون في شخص أبي هريرة.

و من جملة الأدلة على كذب ناقل هذه القصة أن محمد بن قاسم بن يعقوب زعم في كتابه روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار في باب الطعام وألوانه أن أبا هريرة كان يستطيب المضيرة ويأكل عند معاوية في أيام صفين ويصلى خلف الإمام علي. والكل يعلم أن الإمام علي كان في الكوفة زمن الفتنة و معاوية في الشام، فكيف كان أبو هريرة يأكل مع معاوية و يصلي خلف الإمام علي؟

ومما يفند كلام هؤلاء أَنَّ أبا هريرة لم يكن يعيش لا في الكوفة ولا في الشام، وإنما كان يعيش بالمدينة المنورة، كما قال أبو عُمَرَ ابنُ عبد الْبَرِّ في الاستيعاب في معرفة الأصحاب جزء 4 صحيفة 1771، ط دار الجيل – بيروت. :" اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ بْن الْخَطَّابِ عَلَى البَحْرَيْنِ، ثُمَّ عَزَلَهُ، ثُمَّ أَرَادَهُ عَلَى العَمَلِ فَأَبَى عَلَيْهِ، وَلَمْ يَزَلْ يَسْكُنُ المَدِينَةَ وَبِهَا كَانَتْ وَفَاتُهُ". انتهى

- قال المدعو محمود أبو رية أيضا: " وقال الزمخشري في ربيع الأبرار: وكان أبو هريرة يعجبه المضيرة فيأكلها مع معاوية، وإذا حضرت الصلاة، صلى خلف على، فإذا قيل له في ذلك قال: مضيرة معاوية أدسم، والصلاة خلف على أفضل، وكان يقال له:شيخ المضيرة". انتهى

والزمخشري رأس من رؤوس المعتزلة، توفي سنة 538 هجري بينما تُوُفِّيَ أبو هريرة سَنَة 59 هجري، فكيف عَلِمَ الزمخشريُّ بهذه القِصَّة؟
- قال المدعو محمود أبو رية: " وعقد بديع الزمان الهمذاني مقامة خاصة بين مقاماته سماها المقامة المضيرية غمز فيها أبا هريرة غمزة أليمة فقال: حدثنا عيسى بن هشام، قال: كنت في البصرة ومعي أبو الفتح الإسكندري، رجل الفصاحة، يدعوها فتجيبه، والبلاغة يأمرها فتطيعه، وحضرنا معه دعوة بعض التجار فقدمت إلينا مضيرة، تثنى على الحضارة، وتترجرج في الغضارة وتؤذن بالسلامة - وتشهد لمعاوية بالإمامة". انتهى
وبديع الزمان الهمذاني توفي سنة 398 هجري و راوي مقاماته هو شخصية خيالية اسمها عيسى بن هشام، ويقص هو بدوره قصصا عن شخص آخر اسمه أبو الفتح الإسكندري. وعليه فغمزه لأبي هريرة لا حجة فيه.
وقد نقل هذه القصة أيضا الكثير من المتأخرين ولم يذكروا لها سندا كابن العماد الحنبلي فى شذرات الذهب في أخبار من ذهب، وبرهان الحلبي في السيرة الحلبية وغيرهم.

Commentaires